فصل: مسألة يشتري اللحم بدرهم من الجزار ويعطيه به حميلا فيغرم الحميل الدرهم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة قال لعبده إن جئتني بخمسين دينارا فأنت حر فتحمل بها رجل للسيد:

ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده:
وسئل عن رجل قال لعبده: إن جئتني بخمسين دينارا فأنت حر، فتحمل بها رجل للسيد، وعجل له العتق. قال: حمالته ثابتة تلزمه؛ لأنها حمالة في حرمة ثبتت، بمنزلة من قال لرجل: أعتق عبدك، ولك علي خمسون دينارا إلى أجل، فدلك الحق يلزمه. قيل له: أيرجع الحميل على العبد؟ قال: نعم ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، مثل ما في المدونة من أن الحمالة للسيد بكتابة مكاتبه، لا تجوز، إلا أن يعجل العتق، فإن فعل فأدى عنه كان له أن يرجع عليه. وبالله التوفيق.

.مسألة اشترط على الحميل أن حقي عليك لست منه في شيء:

قال: إذا اشترط على الحميل أن حقي عليك، لست منه في شيء، أو كتب عليهما، إن حقه عليهما جميعا، حيهما عن ميتهما، وأيهما شاء أخذ، كان حقه لازما للحميل، وإن كان الغريم مليا، فليأخذ من الحميل جميع حقه إن شاء، وإن لم يكن كذلك. قال مالك: بدئ بمال الغريم، إلا أن يكون الغريم غائبا أو مفلسا.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا اشترط على الحميل، إن حقي عليك لست منه في شيء، معناه: أنه اشترط على الحميل أن حقه عليه. وقال للذي عليه الأصل: لست أنت منه في شيء، أي لا شيء عليك منه. وإذا قال ذلك له، فقد أبراه مما كان عليه، لاشتراطه إياه على الحميل، فمساواته بين ذلك وبين أن يشترط أن حقه عليهما جميعا حيهما عن ميتهما، وأيهما شاء، مثل رواية مطرف عن مالك في الواضحة خلافا لما في المدونة في إبراء الغريم، واشترط حقه على الحميل؛ لأن الظاهر من قوله فيها: إنه لا رجوع له عليه بحال. وقد قيل: إن معنى قوله: إنه لا رجوع عليه، إلا أن يموت الحامل أو يفلس، على ما روى ابن وهب عن مالك. وقال ابن الماجشون شرطه باطل، ولا يعدى عليه حتى يبلى الغريم. وهذا الاختلاف عندي إنما هو إذا أبرأ الطالب الغريم من أن يكون عليه رجوع، أو تباعة، وأن الحميل يرجع عليه بما أدى عنه، وأما إن وقع الشرط على ألا تباعة لواحد منهما قبله. فقد أسقط الدين عنه ولم يكن لواحد منهما رجوع ولا تباعة قولا واحدا. وقد يحتمل أن يكون معنى ما تكلم عليه ابن القاسم، أنهما أبرآه جميعا، فيكون قد تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه مالك في رواية ابن وهب. وبالله التوفيق.

.مسألة حميل قال حقك علي ودع صاحبك:

قال ابن القاسم كل حميل قال: حقك علي، دع صاحبك لا تكلمه، فإن الحق عليه، وإن كان الذي عليه الحق مليا، كان صاحب الحق مخيرا فيه، وفي الحميل إذا قال حقك علي، مثل أن يقول صاحب الحق للذي عليه الحق: أنا أخاف شغبك وكلامك، فقال الحميل: حقك علي، لا تكلمه فإن الحق على الحميل وإن كان الغريم مليا.
قال محمد بن رشد: القول في هذه المسألة، كالقول في التي قبلها سواء، لاتفاقهما في المعنى، وإن اختلف اللفظ. وبالله التوفيق.

.مسألة تحمل بوجه رجل إلى أجل فمات المتحمل به وهو مع صاحبه قبل الأجل:

ومن كتاب سلف دينارا في ثوب:
قال ابن القاسم: من تحمل بوجه رجل إلى أجل فمات المتحمل به، وهو مع صاحبه في البلد الذي هو له قبل الأجل، فلا شيء على المتحمل؛ لأنه حين مات قبل الأجل، لم يلزمه من حمالته شيء، حتى يطلبه، وإن مات بغير البلد الذي تحمل به فيه قبل الأجل، وكان المكان لو كان حيا لم يأت به حتى يمضي الأجل، فهو ضامن له، وكذلك لو مات بعد الأجل بغير البلد، كان ضامنا له، طلبه أو لم يطلبه؛ لأنه لو طلبه منه لم يقدر على أن يأتيه به. قال ابن القاسم: وكل ما قلت لك من خلاف هذه المسألة فيها، فدعه، وخذ بهذا. وإن مات بغير البلد قبل الأجل، وكان فيما بقي من الأجل ما يأتي به فيه، فلا شيء عليه. قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتحمل بوجه الرجل إلى أجل، فيموت المتحمل به قبل الأجل أو بعده، قال: إن كان حاضرا أو مات في الحضر، فلا شيء على الحميل، وإن كان غائبا فمات نظر، فإن كان بموضع لو كلف أن يأتي به أتاه به في الأجل أو بعده بشيء، لم يكن على الحميل غرم، وإن كان بموضع لو كلفه أن يأتي به لم يأت إلا إلى أبعد من الأجل بكثير فأراهُ ضامنا.
قال الإمام القاضي: رواية سحنون عن ابن القاسم، في أنه إن مات قبل الأجل من غير البلد بموضع لو كلفه أن يأتي به لأتى به في الأصل أو بعده بشيء، يريد: بمقدار مكان يتلوم له فيه لو طلبه لم يكن عليه غرم، وإن كان بموضع لو كلفه الإتيان به إلى أبعد من الأجل بكثير، فأراه ضامنا، يحمل على التفسير لرواية عيسى عن ابن القاسم هذه، ولما حكى ابن حبيب عنه في الواضحة من رواية أصبغ. ومثل هذا في كتاب ابن المواز وهذا كله خلاف لما في المدونة من قوله: وإن أخذ الحميل بالغريم، والغريم غائب، فحكم على الحميل وأغرم المال، ثم طلعت للحميل بينة، أن الغريم كان ميتا قبل أن يحكم على الحميل، ارتجع ماله؛ لأنه لو علم أنه ميت حين أخذ منه الحميل، لم يكن عليه شيء؛ لأنه إنما تحمل بنفسه، وهذه نفسه قد ذهبت، فعلى مذهبه في المدونة، إذا مات لا يبالي حيث مات، تسقط الحمالة بموته، مات في مغيبه أو في البلد، وهو قول أشهب. وقد دل على اختلاف قوله في هذه المسألة قوله: وكل ما قلته من خلاف في هذه المسألة فدعه وخذ بهذا، ولو أتى الحميل بالغريم عند الأجل، والطالب غائب، لما برئ بإتيانه به حتى يجمع بينه وبين صاحبه، إلا أن يكون شرط عليه عند الحمالة أنك إن غبت ولم توكل من يقتضي مني، فلا حمالة لك علي، ويكون ذلك له إذا أحضره عند الأجل، ويرى من حمالته بإشهاده على إحضاره، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة. ولو لقي الحميل المتحمل مساء وصباحا حتى تمر به الأعوام، بعد حلول الأجل، لما برئ من حمالته إن غاب بعد، فطلبه به حتى شهد له بالبراءة من حمالته. رواه أصبغ عن ابن القاسم في بعض الروايات، وقد اختلف إذا غاب الغريم فقضي على الحميل بالغرم، فلم يؤخذ المال منه حتى أتى به، فقال في المدونة يغرم ما قضى عليه به، وقد مضى الحكم ومثله في العشرة لابن القاسم، وقال سحنون: إن أحضره قبل أن يغرم برئ. وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى هو وغلامه سلعة من رجل إلى أجل وبعضهما حميل ببعض:

ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار:
وسئل ابن القاسم عن رجل اشترى هو وغلامه سلعة من رجل إلى أجل، وكتب عليهما جميعا حظه، وبعضهما حميل ببعض، فباع الرجل العبد قبل الأجل، هل يكون على سيد العبد أن يدخل له حميلا ما كان؟ وهل يحل عليه هذا الحق حين باع العبد؟ قال: ليس عليه شي. حتى يحل الأجل، وليس عليه أن يدخل له حميلا ما كان للعبد، وهو يبيع العبد حيث كان، فإن رضي المشتري أن يحسبه بما عليه من الحمالة، كان له البيع، وإلا رده، إلا أن يشاء بائع العبد أن يخرجه من ذلك العيب بالقضاء عنه، ويلزمه المشتري البيع، وذلك إذا لم يعلمه.
قال محمد بن رشد: لم ير أنه يجعل بيع العبد قبل الأجل ما تحمل به العبد عنه إلى الأجل، ولا أن يقيم له حميلا سواه، وهو كما قال؛ لأن حمالة العبد عن سيده لا تبطل عنه بيعه إياه؛ لأنه إن بين ذلك للمشتري لزمه، وإن كان لم يبين له به كان بالخيار بين أن يمسكه بما عليه من الحمالة، وبين أن يرده، وفي إجازة بيعه إياه نظر؛ لأنه بنفس البيع يكون منتزع المال، والعبد المأذون له بالتجارة إذا كان عليه دين، فليس لسيده أن ينتزع ماله؛ لأن انتزاعه إياه، إبطال للدين الذي في ذمته. فمعنى المسألة عندي أن العبد محجوز عليه؛ لأن ما لزم ذمة العبد المحجور عليه من الدين الذي لا يجوز للسيد أن يسقط ذلك من ذمته، كنحو هذا الدين الذي علم به فأمضاه، لا يكون إلا فيما وهب له أو تصدق به عليه، فيكون لسيده أن ينتزع ما سواه من ماله.
وقد مضى في رسم مرض من سماع ابن القاسم ما فيه بيان هذه المسألة. وبالله التوفيق.

.مسألة يكون له عليه الحق إلى أجل فيتقارب الأجل فيريد الذي عليه الحق سفرا:

وسئل عن الرجل يكون له على الرجل الحق إلى أجل، فيتقارب الأجل، فيريد الذي عليه الحق سفرا، ويتعلق به صاحب الحق، ويقول له: إنك تريد سفرا، وأنا أخاف أن يحل أجل ديني، وأنت غائب، ولكن أعطني حميلا إن غبت عني يقوم لي بحقي. قال: ينظر في ذلك السلطان، فإن رأى الأجل سيحل قبل أن يقضي سفره لبعد المكان الذي يريد في مثل ما بقي من الأجل، كان عليه أن يعجل له حميلا، وإلا لم يكن عليه حميل، ويحلف بالله ما أريد إلا سفرا لمثل ما يخرج إليه من التجارة، وطلب الحوائج الغريبة مما يأتي في مثله ويخليه:
قال محمد بن رشد: لم يذكر في المدونة من كتاب السلم الثاني منها يمينه في هذه المسألة. وقال ابن أبي زيد في اختصاره لها: يريد: ويحلف في هذه المسألة والله أعلم. وكذلك لم يذكر يمينه في مسألة كتاب النكاح الثاني من المدونة في الزوج يريد سفرا، أنه ينظر إلى سفره الذي يريد، فيفرض لزوجته قدر ذلك، فيرجع إليها ويأتيها بحميل يجبر به لها، ومعناه بعد يمينه إن زعمت أنه يريد السفر إلى ما هو أبعد من ذلك. واليمين يمين تهمة، فيدخل في لحوقها ابتداء، وفي رجوعها إذا لحقت على القول بأنها تلحق ما يدخل في يمين التهمة، وقد ذكرنا ذلك في غير ما موضع. وبالله التوفيق.

.مسألة أسلف دينارا إلى أجل واتخذ حميلا فلما حل الأجل قال الحميل ليس عندي:

ومن كتاب أسلم وله بنون صغار:
قال: وكتب إلى ابن القاسم، قاضي الإسكندرية، يسأله عن رجل أسلف رجلا دينارا إلى أجل، وأخذ عليه حميلا، فلما حل الأجل لقي الرجل الذي عليه الدينار، فقال: اقضني الدينار، فقال ليس عندي، ولكن أجعله لك في عشرة أراديب شعيرا إلى الغلة.
وكتب عليه بها ذكر حق، ثم لقي الحميل، فقال له: قد بريت من الدين الذي تحملت لي به عن فلان، فأشهد له بالبراءة، حتى مضى له شهر، ثم رجع فقال: هذا مكروه، ولم أعلم، وتعلق بالحميل، أفله أن يرجع إليه أم لا؟ قال: ليس له أن يرجع على الحميل، وقد برأ الحميل من الحمالة، ولا ينفعه ما جعل من ذلك شيء، ولا ينفعه الحرام الذي جعل فيه، ويرجع على صاحبه، والحميل بريء.
قال محمد بن رشد: إنما بطلت عن الحميل بالدينار الحمالة، من أجل أن المتحمل أبرأه منها بما ظن من جواز فسخ الدينار في الشعير إلى أجل، فلم يعذره بالجهالة؛ لأنه أصل مختلف فيه، فيأتي على القول بأنه يعذر بها إذا كان ممن يمكن أن يجهل مثل هذا أن يحلف ما أبرأه من حمالة الدينار، إلا وهو يظن أن الدينار قد بطل عن المطلوب بالشعير، الذي سلمه فيه. وهذا نحو ما حكى ابن حبيب عن أصبغ في الحميل بما على الغريم إذا أخذ الذي له الحق من الغريم، عبدا بالحق، ثم استحق العبد من يده، فرجع إلى الغريم بما كان عليه، فلا سبيل له إلى الحميل، وقد برئ الحميل حين أخذ من الغريم بالحق ما أخذ. وبالله التوفيق اللهم لطفك.

.مسألة قال أشهدكم من داين فلانا فأنا حميل بما بويع به:

ومن كتاب الثمرة:
قال: وقال مالك في رجل قال: أشهدكم من داين فلانا فأنا حميل بما بويع به، فأتاه رجل، فقال: إن على فلان حقا ولا بينة له عليه إلا إقرار من المتحمل به، وهو يقر أن له عليه حقا وليس لصاحب الحق عليه بينة، قال: لا يكون على الحميل غرم شيء مما أقر به المتحمل به، إلا ببينة تقوم لصاحب الحق على حقه عليه، وكذلك الرجل الذي يشكو الرجل عند القوم، أنه مطله، فيقول رجل: ما لك عليه، فهو علي، فيقر له الذي قبله الحق بألف دينار، أنه لا يجوز إقراره على الحميل، ولا يقبل قوله، ولا يكون له على الحميل شيء، إلا ما أثبت عليه بالبينة.
قال محمد بن رشد: قوله: في الذي قال: أشهدكم أنه من بايع فلانا فأنا حميل بما بويع به، إنه لا يلزمه الحمالة بالإقرار من المتحمل به، مثله في المدونة؛ لأنه قال فيها في الذي قال لرجل: بايع فلانا فما بايعته به من شيء، فأنا ضمين للثمن، إن الضمان يلزمه إذا أثبت ما بايعه به، إذ لا فرق بين المسألتين، وزاد غيره فيه على سبيل التفسير، وإنما يلزم من ذلك ما كان يشبه أن يداين بمثله المحمول عنه، ولا اختلاف في ذلك عندي ولا في المسألة التي أدخلها عليها بقوله: وكذلك الرجل يشكو الرجل عند القوم، وقد مطله إلى الغرماء. وقد كان ممن أدركناه من الشيوخ، يذهب في هاتين المسألتين مخالفتان لما يدل عليه قوله في المدونة للذي يقول: لي على فلان ألف درهم، فيقول له رجل؛ أنا لك بها كفيل، فيجيء فلان، فينكر أنه لا شيء على الكفيل، إلا أن يقيم البينة على حقه؛ لأن الذي عليه الحق قد جحده، دليل على أنه لو أقر ولم يجحده للزم الحميل الحمالة، وليس ذلك عندي بصحيح، إلا أن المسألتين مفترقتان، وإذا قال الرجل: لي على فلان ألف دينار، فقال له رجل: أنا لك بها كفيل، ألزم الكفيل غرمها إذا أقر بها المطلوب، قولا واحدا. وإذا قال الرجل: لي على فلان حق، فقال له رجل: أنا لك به كفيل، فقال المطلوب: له علي ألف دينار، لم يلزم الكفيل غرم ألف بالكفالة، إلا أن يثبتها على المطلوب بالبينة قولا واحدا، بمنزلة من قال لرجل: أنا ضامن لما بايعت به فلانا، وأنا ضامن لما بويع به فلان، وإنما اختلف إذا قال لرجل: أنا كفيل لفلان بألف دينار له على فلان، على ثلاثة أقوال: أحدها: إنه يلزمه غرمها بالكفالة، وإن أنكر المطلوب أن يكون له عليه شيء، وهو قول ابن القاسم في أول عبد أبتاعه من سماع يحيى بعد هذا، ومثله في كتاب ابن سحنون من سؤال ابن حبيب، قال في المدعي عليه ينكر الدين ويقر الحميل به: إنه يضمن ذلك ويؤديه، فإن كانت للمدعي بينة، فهل يقيمها ليطلب الغريم قبل الحميل، حتى يعوزه طلب الغريم؟ فقال: لا، وإنما يؤخذ الحميل من مثل هذا، فله أخذ الضامن بحقه عاجلا، ثم للضامن أن يقوم بتلك البينة على الغريم بما ضمن عنه. والقول الثاني: إنه لا يلزمه غرمها إذا كان منكرا، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه. والقول الثالث: إنه يلزمه غرمها وإن كان هكذا، إذا كان معدما. وهذا القول يقوم من قول ابن القاسم في أول رسم من سماعه من كتاب الشهادات.
وقد مضى هناك وجهه وتحصيل القول في المسألة. وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري اللحم بدرهم من الجزار ويعطيه به حميلا فيغرم الحميل الدرهم:

ومن كتاب حبل حبلة:
قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يشتري اللحم بدرهم من الجزار، ويعطيه به حميلا، فيغرم الحميل الدرهم إلى الجزار، هل يجوز له أن يأخذ بصاحبه بذلك الدرهم شيئا من الطعام قال لا بأس به.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الحميل لم يدفع طعاما، إنما دفع درهما، فجاز له أن يأخذ به طعاما، ولو أراد الجزار أن يأخذ بذلك الدرهم من الحميل طعاما لم يجز؛ لأنه دفع طعاما، فلا يجوز له أن يأخذ منه إلا ما كان يجوز له أن يأخذه من الذي أحاله حسبما يأتي القول عليه في سماع أصبغ بعد هذا إن شاء الله.
وقد زدنا هذا بيانا في أول سماع أصبغ من كتاب السلم والآجال لتكرر المسألة هناك. والله الموفق.

.مسألة هلك وعليه دين لا يدري كم هو وقد ترك مالا من عين وعرض:

ومن كتاب الرهون:
وقال في رجل هلك وعليه دين لا يدري كم هو؟ وقد ترك مالا من عين وعرض، لا يدري كم هو؟ ولم يحصل ولم يعلم، فيقوم بعض ورثة الميت، فيقول لغرمائه: أنا أتحمل لك بجميع دينه على أن تخلوا بيني وبين جميع ما ترك، إن ذلك لم يزل من أمر الناس المعروف إذا كان ذلك من الحميل على وجه المعروف والتماس الخير للميت ولورثته، كان الحق الذي يحمل به على الميت نقدا أو إلى أجل. وتفسير ذلك أن يكون أمر الحميل والذي يجمع عليه، أنه إن كان فيما ترك الميت فضلا عن دينه. كان لجميع الورثة، ولم يكن للحميل من بين الورثة، وإن قصر المال عن قضاء الدين، كان على الحميل ما بقي من قضاء الدين بعد ذهاب المال خاصة دون الورثة، فإن كان هذا وجه اصنع، ودخل به الحميل في الحمالة، لم يكن به بأس، وإن كان إنما تحمل بالدين على أن يكون له ما فضل من المال بعد وفاء الدين خاصة، دون الورثة، لم يصلح؛ لأنه غرر، يحمل على أن يكون ضامنا بما نقص المال عن وفاء الدين، على أن يكون له ما زاد المال، فصار ذلك بيعا من البيوع، يحله ما يحل البيع، ويحرمه ما يحرم البيع، أو يكون يريد أن يأخذ تركة الميت على أن يضرب له أجلا مستأخرا، فيأخذ قليلا على أن يعطي أكثر منه إلى أجل، في ذلك ذهب وورق بأشياء غير مسماة ولا معلومة من تركة الميت، فيدخل في ذلك غرر عظيم، وبيع ما لا يحل بيعه متفاضلا إلا مثلا بمثل، ويدا بيد، ولا إلى أجل. ولا يرى ابن القاسم به بأسا، إن كان وارثا واحدا، لا وارث له غيره، إن ذلك لا بأس به، كذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: رأيت لابن دحون في هذه المسألة، أنه قال فيها: إنما جازت هذه المسألة على المسامحة، وبما جرت به عادة الناس، وأصلها ألا تجوز، لما فيها من المجهول. وقد تكررت في كتاب المديان، في رسم أخذ يشرب من سماع ابن القاسم. وفي رسم البيوع من سماع أشهب مضى الكلام عليها هناك مستوفى. وبالله التوفيق.

.مسألة قال له أنا أضمن لك عقل جرحك فرجع إليه بعد ذلك وقال لا أضمن شيئا:

وقال في قوم كانت بينهم نائرة فخرج رجل منهم، فقال له رجل من الناس: أنا أضمن لك عقل جرحك هذا، وانطلق فرجع إليه بعد ذلك فقال: لا أضمن لك شيئا، فقال: ذلك له لازم، إذا كان على وجه الحمالة والإصلاح بين الناس، وكان صاحب الجرح قد قبل ذلك منه ورضي به، وإنما ذلك في الخطأ مما فيه دية أو عمد، اصطلحوا فيه على يديه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن ذلك لازم له، يريد في الحياة والموت، كان على وجه الحمالة وإصلاح، وكان صاحب الحق قد قبل ذلك ورضي به، والجرح خطأ مما فيه دية، أو عمد اصطلحوا فيه على دية. وإنما شرط في لزوم الحمالة رضاء صاحب الجرح بما دل عليه مساق اللفظ، من أنه إنما تحمل له بعقل الجرح عنهم، على أن يترك طلبه قبلهم، ولو كان هذا من التزامه الحمالة على غير هذا الوجه، مثل أن يقول في مغيبها شهدكم أني ضامن لفلان عقل جرحه، وتلزمه الحمالة وإن كان لم يقل قد قبلت ورضيت، إذا كان الجرح أيضا خطأ أو عمدا اصطلحوا على دية، ومعنى ذلك في العمد، إذا كان الجرح ليس له عقل مسمى وإنما فيه القصاص، وأما لو كان مما له عقل مسمى، كفقء العين، وقطع اليد، وجذع الأنف، وما أشبه ذلك، للزمت لما في ذلك الكفالة بدية العمد المعلومة في ذلك، ولم يكن له رجوع بها على الجاني، إذ لا يلزمه إلا برضاه، وكذلك لو ضمن رجل عن رجل مال حق عن جنايته على الناس، للزمه، قال ذلك أصبغ، حكى ابن حبيب عنه في الرجل يكون له الولد الفاسق المتعسف على الناس بالقتل وأخذ المال، فيأخذه في ذلك، ويريد عقوبته، فيقول له: لست بعائد إلى ذلك، وأنا أعطيك حملا يتحملون، كما اجترمته من قتل أو حد أو أخذ مال، فذلك عليهم، فيفعل، أرى ذلك لهم، ويؤخذون بكل ما يؤخذ به، إلا أنهم لا يقتلون بمن قتل. وفي قوله: إنهم يؤخذون بكل ما يؤخذ به، إلا أنهم لا يقتلون بمن قتل، إشكال فيحتمل أن يريد بذلك، أنه يؤخذ بكل ما اجترم من المال، ولا يؤخذ بالقتل ولا بالجراح، ويحتمل أنهم يؤخذون بالذمة بالقتل، ولا يقتلون، وكذلك الجراح، وهو الأظهر، فيكون المجني عليه بالخيار، بين أن يقتص منه، أو يأخذ الدية منهم بالضمان الذي التزموه؛ لأنه ترك عقوبته التي لعلها كانت تردعه بسبب ضمانهم. وبالله التوفيق.

.مسألة يتحمل عن ابنه لامرأته بصداقها فيغيب الزوج قبل أن يبتني بالمرأة:

ومن كتاب الجواب:
وسألته عن الرجل يتحمل عن ابنه لامرأته بصداقها، والرجل الأجنبي، يتحمل بمثل ذلك عن الأجنبي، فيغيب الزوج قبل أن يبتني بالمرأة، فيطلب أهل المرأة أخذ الصداق من الحميل. قال ابن القاسم: إن كانت غيبته قريبة الأيام اليسيرة، وما أشبه ذلك، الذي ليس فيه ضرر، وبعث في الزوج وأتى به، فإن جاء فأعطاها الصداق، وإلا أخذ الحميل، وإن كانت غيبته بعيدة، أو لا يدري أين هو؟ ولا يعرف موضعه، أخذ لها من الحميل الصداق، ولم يضرب له أجل في ذلك، وإن جاء الزوج فطلق، رجع عليها بنصف الصداق، وهو إذ لم يعرف موضعه بمنزلة المفقود؛ لأن امرأة المفقود يتعجل صداقها وإن لم يكن دخل بها؛ لأن مالكا قال في امرأة المفقود، شيء هو لها واجب، فإن جاء الزوج فطلق، رجع بالنصف، وإلا فهو حق لها، قال: وإن طلبوا من الحميل بالصداق في مسألتك النفقة، فليس ذلك لهم عليك. وقد قال مالك في امرأة المفقود إن قدم زوجها وقد تزوجت: لم يرجع عليها بشيء، ولم يكن بنى بها وبه يأخذ عيسى، وليس من رواية عيسى. وفي رواية سحنون. قلت لابن القاسم: الرجل يفقد قبل دخوله بأهله، فيفرق بينهما بعد الاستقصاء، وتعطى صداقها كاملا، ثم تتزوج، فيأتيها زوجها قال: يرجع عليها بنصف صداقها.
قال محمد بن رشد: قوله في الحميل بالمال إذا غاب المتحمل به: إنه يتلوم له في الغيبة القريبة الأيام، يريد اليومين والثلاثة، خلاف ما في سماع يحيى بعد هذا في رسم المكاتب، من أن الحميل بالمال لا يؤجل ولا يؤخر، وهو كالغريم بعينه، ولا اختلاف في هذا على اختلافهم في الحميل، هل يكون الطالب مخيرا فيه وفي الغريم، يتبع أيهما شاء؟ وإن كان الغريم مليا، أو لا يكون له على الحميل سبيل، إلا في عدم الغريم أو مغيبه، فرواية عيسى هذه على ما اختاره ابن القاسم من قولي مالك ورواية يحيى على قول مالك الأول: إن الذي له الحق مخير في الغريم والحميل، يتبع أيهما شاء في اليسر والعدم، والغيب والحضور. وأما الحميل بالوجه، فإنه يتلوم له إذا حل الأجل. قال في المدونة: اليوم ونحوه. قال في كتاب ابن المواز: اليوم واليومين، قال في سماع يحيى بعد هذا: اليوم واليومين والثلاثة، وفي كتاب محمد بن المواز لابن وهب في حميل الوجه إذا غاب الغريم، إنه يقضي عليه بالغرم، ولا يضرب له أجل يطلبه، وهو بعيد؛ لأن الحميل بالوجه، يبدأ بإحضار الغريم، مليا كان أو معدما، والحميل بالمال، لا يبرأ بإحضار الغريم معدما. واختلف، هل يبرأ بإحضاره مليا؟ فعلى هذا الاختلاف يأتي الاختلاف في التلوم له الأيام اليسيرة، حسبما ذكرناه. وأما قوله: إن الحميل بالصداق يؤخذ بجميعه إذا غاب الزوج قبل البناء فهو صحيح، على قياس القول بأن المرأة يجب لها بالفقد جميع الصداق، ويسقط نصفه، إلا نصف الصداق ألا يقضي على الحميل إذا غاب الزوج قبل البناء إلا بنصفه، ويأتي على قياس القول بأن الصداق يجب على الزوج جميعه بالعقد وجوبا غير مستقر، فيستقر لها نصفه بالطلاق، وجميعه بالموت والدخول ألا يقضي على الحميل بشيء من الصداق إذا غاب الزوج قبل الدخول، حتى يأتي، فيطلق فيقضي عليه بالنصف، ويدخل فيقضي عليه بالجميع، وهو قول ابن الماجشون في امرأة المفقود قبل البناء، إنها لا يقضي لها بشيء من الصداق حتى يأتي وقت، لو قدم الأول، لم يكن له إليها سبيل، وهو أن يتزوج ويدخل بها الزوج، أو لا يدخل، على اختلاف قول مالك في المدونة. وقيل: إنه لا يقضي لها إلا بنصفه، فإن بلغ من السنين ما لا يحيى إلى مثلها، أو ثبتت وفاته ما بينه وبين أن تبين منه بالدخول أو التزويج، على الاختلاف المعلوم في ذلك، قضى له ببقيته. حكى هذا القول سحنون وابن الجلاب. والمشهور في المذهب قول ابن القاسم. وروايته عن مالك، أنه يقضي له بجميعه. واختلف قول ابن القاسم إن جاء زوجها بعد أن تتزوج ويدخل بها زوجها. ولا يدخل على اختلاف قول مالك في ذلك، فمرة قال: إنه لا يرجع عليها؛ لأنها قد انتظرته وضيق عليها، واعتدت منه، ومنعها النكاح، وهو قوله في رواية عيسى عنه. ومرة قال: إنه يرجع عليها، وهو الصحيح في النظر والقياس. وظاهر قوله في هذه الرواية إذا كان لها الصداق كاملا، فهو يعجل لها: إنه يعجل لها وإن لم يحل أجله، مثل قول أصبغ في الواضحة إن كالئها يحل، وهو الذي يدل عليه قول مالك في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب طلاق السنة، فإذا مضى لامرأته أربع سنين، وأربعة أشهر وعشر، أعطيت صداقها إن كان له قبله من حقها أن تأخذ صداقها إن كان حالا قبل ضرب الأجل وقبل العدة؛ لأنه دين من الديون، يحكم لها به دون تلوم إذا غاب غيبة بعيدة، وإن عرف حياته.
وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب طلاق السنة، وفي سماع سحنون من كتاب النكاح. وبالله التوفيق.

.مسألة كان له عليه عشرة دنانير فقضاها إياه فذهب بها فألفاها قبيحة الوجه أو ناقصة:

من كتاب القطعان وقال ابن القاسم في رجل، كان له على رجل عشرة دنانير، فيأتيه يتقاضاه، فقضاها إياه، فذهب بها يرى وجوهها أو يزنها فألفاها قبيحة الوجه، أو ناقصة الوزن، فجاءه بها، فقال له: إنما أخذتها من فلان، فاذهب إليه بها، فإنه سيبدلها فانطلق بها، فوقعت منه بالطريق، فذهبت قال: إن كان قبضها منه ثم دفعها إليه فقال: اذهب بها إلى فلان ليبدلها لك، فضاعت، فمصيبتها من الذي عليه الحق، وإن كان لم يقبضها منه، فمصيبتها من الذي وقعت منه.
قال محمد بن رشد: لم ير أن تنتقل الدنانير من ذمة المقتضي لها من حقه إلى أمانته، بقول الدافع لها: اذهب إلى فلان ليبدلها لك، حتى يأخذها منه، ثم يردها إليه مرسلا له بها. ومثله من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات، وفي كتاب السلم الأول من المدونة في الذي يسلم الثوب في طعام يحرقه رجل في يديه قبل أن يقبضه المسلم إليه؛ لأنه قال فيه: إن كان إنما تركه وديعة في يديه بعدما دفعه إليه، فأرى قيمته على من أحرقه والمسلم على حاله. وعلى هذا يأتي قوله في كتاب القراض من المدونة، يضيع منه بعضه، فيخبر بذلك رب المال، فيقول: اعمل بما بقي في يديك قراضا، إنه على القراض الأول، وإن حضر المال وحاسبه، ما لم يدفعه إليه، ثم يرده عليه قراضا مستأنفا، خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك، وربيعة، ومطرف، وابن الماجشون، والليث، وجماعة من أصحاب مالك، إلا ابن القاسم، فانه كان يشدد فيه ويقول: هو على القراض الأول حتى يدفعه إليه ثم يرده عليه، فيأتي على قوله في مسألتنا: إن الدنانير تنتقل من ذمة المقتضي لها إذا أحضرها بقول الدافع لها: اذهب بها إلى فلان، فإنه سيبدلها يأخذ منه في ذمته على حالها فتكون مصيبتها منه، وإن قامت بينة على تلفها، وتكون على حالها في يديه كالرهن، لا يضمنها إن قامت بينة على تلفها. والظاهر من المدونة أنها تبقى في ذمته على حالها، والأشبه على مذهبه في السلعة المحبوسة بالثمن، أنها تكون كالرهن في يديه؛ لأنها تشبهها، إذ قد التزم له أخذها على أن يعوضه منها، فيتخرج على هذا في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: إنها تنتقل إلى أمانته، فيصدق في تلفها، وهو الذي يأتي على ما حكاه ابن حبيب عن من ذكرناه، والثاني: إنها تبقى على حالها، فتكون مصيبتها منه، وإن قامت بينة على تلفها، والظاهر أيضا من هذه الرواية. والثالث الفرق بين أن تقوم بينة على تلفها، أو يدعي ذلك، ولا يعرف إلا بقوله، وهو الذي يأتي على القول بأن السلعة المحبوسة بالثمن كالرهن. وبالله التوفيق.

.مسألة نصراني سلف نصرانيا خمرا وتحمل له نصراني بالخمر فأسلم الحميل:

ومن كتاب باع شاة:
وسألته عن نصراني سلف نصرانيا خمرا أو خنازير، وتحمل له نصراني بالخمر والخنازير، فأسلم الحميل، وأعدم الذي عليه الحق، قال: فليس على الحميل الذي أسلم شيء، ويتبع النصراني غريمه النصراني. قال ابن القاسم: وكل حمالة كان أصل شرائها حراما فليس على المتحمل مما تحمل شيء.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى القول عليها مستوفى في أول رسم العرية فلا وجه لإعادته. وبالله التوفيق.